الشنقيطي
334
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فرقة التقليد ، فإنهم لا يدعون ذلك ، ولو ادعوه لكانوا مبطلين ، فإنهم شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليل قادهم إليها ، وبرهان دلهم عليها ، وإنما سبيلهم محض التقليد . والمقلد لا يعرف الحق من الباطل ، ولا الحالي من العاطل . وأعجب من هذا أن أئمتهم نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم ، وقالوا نحن على مذاهبهم ، وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بنوا عليه . فإنهم بنوا على الحجة ونهوا عن التقليد وأوصوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه ، فخالفوهم في ذلك كله . وقالوا نحن من أتباعهم ، تلك أمانيهم ، وما أتباعهم إلا من سلك سبيلهم ، واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم . وأعجب من هذا أنهم مصرحون في كتبهم ببطلان التقليد ، وتحريمه ، وأنه لا يحل القول به في دين اللّه . ولو اشترط الإمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم يصح شرطه ولا توليته . ومنهم من صحح التولية وأبطل الشرط . وكذلك المفتي عليه الإفتاء بما لا يعلم صحته باتفاق الناس . والمقلد لا علم له بصحة القول وفساده إذ طريق ذلك مسدودة عليه . ثم كل منهم يعرف من نفسه أنه مقلد لمتبوعه لا يفارق قوله ، ويترك له كل ما خالفه من كتاب أو سنة أو قول صاحب ، أو قول من هو أعلم من متبوعه أو نظيره . وهذا من أعجب العجب . وأيضا فإنا نعلم بالضرورة ، أنه لم يكن في عصر الصحابة ، رجل واحد اتخذ رجلا منهم يقلده في جميع أقواله ، فلم يسقط منها شيئا وأسقط أقوال غيره ، فلم يأخذ منها شيئا . ونعلم بالضرورة ، أن هذا لم يكن في عصر التابعين ، ولا تابعي التابعين . فليكذبنا المقلدون برجل واحد ، سلك سبيلهم الوخيمة ، في القرون الفضيلة على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه صلّى اللّه عليه وسلم . فالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه ، يبيحون به الفروج ، والدماء والأموال ، ويحرمونها ولا يدرون أذلك صواب أم خطأ على خطر عظيم ، ولهم بين يدي اللّه موقف